كانَ واقفاً أمام واجهة زجاجية لمحل نسائي، يحمل في هيئته عبءَ نهار كئيب ووجهه يتقلّب بين تماثيل العارضات دون اهتمام. تلصّص على اللواتي يقتربن من الزجاج من داخل المحل. تلك رفعت قميصاً وأشاحت بوجهها، أخرى وضعت بنطلون جينز على خصرها وابتسمت، ثالثة مرّرت يدها سريعاً على درفات الملابس، لمحَ مللا كبيراً كان يرافقها. تساءل: “أترى يخفّف السوق من هموم الناس والنساء خاصة، أم يؤجّلها؟”
فكّر في التعب. في المتعة.
هل في السوق متعة لطالما يبقى كل يوم هو نفس السوق؟ حتى يغدو جزءاً من همومهم أيضا؟ ألا نتسكّع في الأسواق طلباً للتعب الذي قد يرحمنا من أي جدل ليلي، حينما نستلقي على سرير المفاوضات.
***
الأغبرة العالقة في جدران السوق غير المتناسقة، الأوساخ المحشورة بين مربعات الأرصفة، بصمات أيدي الناس على زجاج الواجهات، كانَ يتفحّصها جميعها بتفاصيلها المزعجة، متخيّلاً حال الناس الذين صنعوا هذه الفوضى الهادئة. آثار عضّ على أعقاب السجاير الملقاة على الرصيف. شردَ وهو يفكّر في أعصاب أولئك المدخّنين. مرّ فتى يرتدي جاكيت كبيراً عليه، معبّأ بساعات مهرّبة ورخيصة الثمن: “هذه مجموعة نادرة” أشار إلى عدّة ساعات يدوية تبدو مختلفة عن بقية الساعات الأكثر فخامة في تقليدها لماركات عالمية. قال: “عقاربها تسير إلى الوراء، صمّمت للتعساء”.
***
عاد إلى الزجاج، يتلصّص منه على الداخل: داخل المحل، وداخل نفسه. وقعت عينه على امراة كانت ترفع قميصاً قطنياً أسودَ وعلى صدره رسمة قلبٍ بلون فضي، هي الأخرى تركت القميص معلّقاً على عضدها وراحت تنظر إليه. خفت الضوء الذي تسلّل بقوة إلى المحل عبر الزجاج فتغيّر وهج الغبار.
دنا من الزجاج. لم يستطع إلا أن يطبع وجهه عليه وينفخ من فمه. تلك عادته مع زجاج الواجهات. كم مرّة ضربته أمّه وهو صغيرٌ على هذه الخصلة المقرفة!! هو الذي راح يتذكّر أشياء كثيرة ترتبط بالزجاج. طاولة الطعام الدائرية قبل سنين طويلة، وهو يكتب عليها أوّل عقابٍ بنسخ كلمة “مسيّر” عشرات المرّات، وبوضع الضمّة فوق الميم في كلّ كلمة يكتبها. كانت ضمّة أصابعه على قلمٍ خشبي أثناء الكتابة قد بدأت تؤلمه كثيراً، حينَها فكّر في الكلمة ملياً، وتورّط في جدلٍ، علق به طيلة حياته.
***
لمّ نثرات زجاجة اللمبة، طفح على الحاضرين حرصه أن تخلو الغرفة من أي نثرة، ربما أزعج بعض الحضور الذين لا يبالون بالزجاج، ولا يرون من ورائه. كانت النثرات مهيبةً رغم ضآلتها، أمّا المتبقي من قلب اللمبة فإنها تنصب فخاخاً دموية لأي أصابع تدنو منها.
في المدرسة الإبتدائية، تحديدا في الصف الثالث الابتدائي، رَكض هارباً من معلّمه، ظلّ بسرعة صبي مشاغب ورأسه تلتفّ خلفاً كي يحسب المسافة بين النجاة والعقاب، حتى خبط في باب زجاجي ليتحطّم فوقه، تاركاً له أثراً من خمس غرز طبّية في كفّه اليمنى. كلّما لمس أثر الجرح الناتئ تذكّر الصبي المشاغب الذي كسّر باب مدير المدرسة.
زجاجة العطر الليموني التي انفجرت في سيّارته في ظهيرة شديدة الحرارة. فاحت رائحة العطر واختلطت برائحة البنزين.
تذكّر الذعر الذي يسببه أي زجاج يتكسّر في غرفة مليئة بالناس. كان يتلصّص على أقدام النساء أو الفتيات اللواتي في حجرة كهذه. كان صبياً طائشاً، لكنّ الجارة التي تحبه كأبنائها هي من يحميه دوماً من غضب أبيه، وتضمّه إلى صدرها وتتشفّع له. إذ ذاك يحلو له أن يطيل الضمّةَ حتى تقرصه من أذنه: “بس يا ولد”
***
بعد دقائق خرجتْ المرأة التي راحت تنظر إليه حينما تغيّر وهج الغبار وتغيّر مصير الضوء. مشتْ بمحاذاته. فردَ كفّه اليمنى ذات الجرح العتيق، حتى اقتربت فقبض على كفّها الملقاة إلى جانبه وسارا معاً، جنباً إلى جنب.في تلك اللحظة بدأت المحلات تلمّ نهارها وعلى زجاج واجهاتها أسئلة وارتباك.
” الارتباكُ: سمةُ الزجاج”.
بعض الباعة تقوّست قاماتهم إذ يكنسون المحلات غروباً بعد آخر. صَبيةٌ سمينة قعدت على حافة الرصيف تراجع قائمة مبيعات النهار. كان السوق متعباً جدّاً، يليق بمدينة مصابة بالربو، وبآلام مزمنة في مفاصلها.
يمشيان باعتدال على طرف الواجهات وليس إلى طرف الإسفلت والسيّارات المتباطئة بسبب ازدحام السوق في لحظات النهار الأخيرة.
إنارة الرصيف حائرة في غروب لم يحضر معه العتمة، الهواء البارد هائج لافحُ ليس له مستقرّ أو رادع عند المنعطف الصليبي.
اصطدما بالهواء البارد حينما اقتربا من المنعطف فتقاربا وتلاصقا أكثر. خفّف كلّ واحد منهما عن الآخر هوجة التيار الهوائي. ابتسمت زوايا المنعطف بهذا الفخ الذي تعدّه بمعية الهواء لكل العابرين.
عبرا تيّار الهواء وأكتافهما مزمومة قرب الأذنين. انعطفا يساراً واتّجها صوب مطعم إيطالي. دخلا معاً. نسيَ بسبب البرد أن يقدّمها عليه، كان ممرّ الباب ضيّقاً فتلاصق أكثر وأكثر أثناء دخولهما. قعدا إلى أوّل طاولة شاغرة وتقابلا.
أحضرَ النادل قائمة المطعم. طلبت سباغيتي بصلصة البولونيز ودايت سفن أب، وهو طلب فيليه بالمشروم ومياه غازية “بيريه”. لم يتكلما بعد ذلك إلا حينما مرّ بهما النادل أثناء تناولهما للطعام وسألهما عن جودته، فأجابا بأنه: “لذيذ جدّا” وأضافا أنهما يفضلان هذا المطعم عن بقية مطاعم المدينة. “كلّ جواب قيل على حدة، لكنه متشابه في المعنى”.
حدّثت نفسها: “يبدو وحيداً في هذا العالم!”
حدّث نفسه: “ليس لها أحد في هذه المدينة المريضة!”
لم يكلّم أحدٌ منهما الآخر. وحدها النظرات اختصرت أسئلة وأجوبة كثيرة، وقالت لمسات باليدين ما لا يقوى عليها الكلام.
***
وقفا طويلا على حافة الرصيف بانتظار سيّارة أجرة. كلّما مرّت واحدة إمّا مليئة بالركّاب أو أن سائقها اكتفى من نهاره الطويل ويريد أن يرجع إلى أهله.
ما الذي جال في ذهنهما؟
ازداد عنف تيّار الهواء عند المنعطف المتآمر، كان الليل على قلقٍ يدنو من انتصافه. لم تكن ليلة مقمرة. وليس في هذا المنعطف سوى عامود إنارة وحيد، مائلا قليلاً، راقص الواقفين الذين ينتظرون سيّارة تردّهم إلى بيوتهم.
ما الذي دار في ذهن الليل؟
عند منتصف الليل وقفت لهما سيّارة أجرة، صادف أنه نظر في ساعته قبل أن يفتح الباب الخلفيّ ليصعد قبلها. خاف إن دخلت قبله أن يذهب بها السائق ويتركه وحيداً في هذا المنعطف ذي التيار والظلال الراقصة. كان يحبّ الليل، ويخاف من “زعرانه”.
***
وصلا إلى بيت صغير مدخله من جانبه الأيمن. عند بابه كادا أن يتكلما لكن العناق أسرع في الهمة فعطّل أي محاولة للكلام، خاصة تلك القبلات التي رافقت عناقهما.
أخرج من جيبه سلسلة بها مفتاحان، ابتسم وهو يقول: “أظلّ حائراً بينهما”. جرّب الأوّل لم يفتح، قال: “غالباً إذ أكون على عجل اختار المفتاح الخطأ”، لامَ نفسه: “كم مرّة قلت أنسخ منه على مفتاح ملوّن، لكنني لم أفعل”
دخلت قبله البيت، فتبعها إلى غرفة النوم. خلع ملابسه وارتدى البيجامة. ارتمى على السرير، لحقت به بعد أن بدّلت ملابسها.
نظر إليها قبل أن يطفيء ضوء الغرفة من جوار السرير:
“عفا الله عمّا سلف. أنا آسف”،
ردَّت:
“وأنا كمان”.
التحفا، وناما باطمئنان لا يعرفه سكّان مدينة مريضة بالربو، ومصابة بآلام في المفاصل.
جدّة
24 كانون أوّل 2006
كتبها ياسر حجازي في 12:57 مساءً ::
أخي الأستاذ ياسر حجازي
مرة أخرى بعد أخريات كثيرات، أقرأ روحَ الحياة بتفاصيلها الدقيقة والرقيقة في قصصك: فلسفة الأسواق رغم تشابه البضائع في كل مرة، الإرباك الذي يبعثه تكسّر الزجاج، المؤامرات الطيبة التي يحكيها الهواء.
تساءلت كيف تكون الرائحة المختلطة بين البنزين والعطر؟ وكيف هو طعم السباغيتي بصلصة البولونيز؟
وتلك النهاية المفاجأة الرقيقة التي كسرت صورة الوحدة التي سبق واستقرت في ذهني أثناء القراءة لكل منهما …
دمتَ مدهشاً
يارجل ... حرام عليك ... الانقطاع ثم الانقطاع ثم الانقطاع ... الى متى هذا السكون ؟
الاسم: ياسر حجازي
