وليمة لأعشاب البحر-نشيد الموت، الرواية الثمانينيّة التي أدخلتْ شريحةً منَ المثقفين العرب في أزمة كبيرة، ثُمَّ أدخلت الهيئة المصرية للكتاب فِي معركةٍ مع الأصولييّن في منتصف التسعينيات، أولئك الذين أنزلوا وبالهم -من سبابٍ وتكفير- على الهيئة الناشرة وعلى المؤلف، وظنّي أنّ جُلّهم لم يطّلع على الرواية أو يقرأها، إنّما تحرّكوا أو كان وراء حراكهم وهياجهم مَنْ ساءه أنْ تقوم الهيئة المصرية للكتاب بنشر رواية لغير مصري، وتلكَ لوثةٌ من عنصريةٍ لا تخلو منها أيّ هيئة حكومية في أيّ بلدٍ آخر، إذْ هي بلاءٌ يصيب طائفة في كلّ أمة، فيظهرها على عكس ما يريد تاريخها وحاضرها، فمِصر –مهما أرغى زبدُ هؤلاء فإنه زبدٌ- وتبقى هي تنفع النّاس، كلّ الناسِ، وتبقى مشرعةً ماضيها وحاضرها ومستقبلها لجميع الثقافات والحضارات.
ليست وليمة لأعشاب البحر رواية تقليدية متعاقبة الأحداث، إذْ أنَّها لا ترتجي خطّاً دراميّاً تصاعديّاً، ولا تَتْتَكِيءُ على بداية مشوقة ليترّقب القارىء خاتمةً أو يطارد نهاية ما، بَل هي دون ذلك جميعاً، حيث أنَّ النهاية والبداية مسألةٌ لا تعني المؤلف في هذا المقام، فهو يتجاوزُ بكثيرٍ من الحرفيّة عاملَ الزمن، حينَما يسردُ مَا قد صارَ تاريخاً مستودعاً لديه -على الرغم من تعدّده وعدم أحاديته- فهو جزءٌ من تاريخه الإنساني كفرد، ودمٌ في ذاكرته، تلك الذاكرةُ التي قدَرُ الكاتب المبدع أنْ تكونَ ذاكرةً حمّالة أوجه، ذاكرة ليست تُعاني النسيان في كثيرٍ من منعطفاتها، التي يُحسنُ المبدعُ، -والمبدعُ فقط- أنْ لا يدعها تمرّ سلاماً.
تذكرُ إيزابيل الليندي في روايتها باولا[2]: ولأن أشياء كثيرة طالها النسيان أو التحريف، فأنا لا أتذكر الأماكن ولا التواريخ ولا الأسماء، لكنني في المقابل لا أترك حكاية جيدة تفلت مني
تفوحُ من الرواية أصواتاً، وتسمع روائحاً جُبِلَتْ من الطبيعة التي عاشها المؤلف بين المشرق والمغرب العربيّين، كلّ الظنِّ أنّه تعلّق بها إلى تلك الدرجة التي تملّكته فأعطته مفاتيحها، أو استودعتهُ القدرة أن تتحوّل بين يدي حبره وأوراقه من طبيعة حيّة إلى طبيعة كلاميّة منسوخة في رواية.
الكتابةُ عن وليمة لأعشاب البحر، بينما أنتَ لست ناقداً أو محترفاً في مجال الكتابة عن الروايات ما هي إلاّ ورطة، يتورّط فيه السمع والبصر والقلب، فتلك المقاطع النثريّة المكتوبة بطريقة شاعرية وشعرية لا تقرأُ إلاّ بصوتٍ مسموعٍ حتّى يستمعُ بها القلب مرراً وتكرراً، ثُمّ يجدُ القاريء نفسهُ أو يتصيّدها في دورين أنيسين: الحكاوتي والمستمع، فالرواية تمتلئ من أوّلها حتّى آخرها بالصور الشعرية المتسارعة والتشبيهات المستوحاة من حركة الأشياء ومحاكاتها بالطبيعة، وعلاقاتها وحواراتها المرئية والمسموعة فيما بينها، هكذا تأخذكَ الرواية بِحِيَلِ المؤلف اللغوية -أو على مستوى الصياغة- إلى حالة من التخيّل الكثيف كأنّكَ تسكن في الأماكن التي تطوف بها الرواية.
بنى حيدر روايته وليمة لأعشاب البحر على أساس تغافل الترتيب الزمني المتتالي للأحداث، بناءً على أن تجربة الراوي في محلّ ما يرويه قد انتهت حدثياً، ولم يبقَ سوى أن يسترجعها من الذاكرة بالطريقة التي يريدها أو تريدها الذاكرة، أحداثاً لا وجود فيها للحاضر والمستقبل فكلاهما فاتَ وماتَ، قضاءٌ مضى، فلا وجود لهما بمعنى الزمن داخل الرواية، إذذاك أفهم تجوال الراوي من حدث زمني إلى حدث زمني آخر في السياق ذاته، كأنهما حدث واحد في زمن واحد.
وإذْ لا بُدّ منَ التَّمثيلِ حتّى يُشاركُني القارئ فيما ذهبتُ إليهِ، أذكُر:
1. في ص 183 من طبعة (1988) وعلى مساحة عشرة أسطر؛ تتكلّم آسيا بالأخضر، وفلّة بو عِنَّاب ومهيار البابلي، ومهدي جواد -وهم من شخوص الرواية- يتحدّثون بينما كلّ واحد منهم منفصل عن الآخر -زمنياً ومكانياً- لكنّه الرا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ