
بقلم بسمة فتحي.
صدر مؤخّرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمّان وبيروت للشاعر ياسر حجازي ديوان شعري بعنوان "سارد الغوايات". أتى الديوان في 143 صفحة من القطع المتوسط، ضَمَّ ثلاث عشرة غواية مستوحاة من حياة الشاعر، كتبها بين عامي 2007-2009 بين جدّة وطرابلس الشّرق.
جاء الديوان بكلّ غواياته على تفعيلة واحدة (فعلن) توحي موسيقياً بوحدة الديوان، ففي الوقت الذي يحرص فيه حجازي على حداثة الصياغة، إلاّ أنّه يحافظ على موسيقى الشعر. وهو لا يتخلى عن النّثر بمفهومه السردي وإن جاء سرداً شعرياً موزوناً، ويبدو ذلك جليّاً من عنوان الديوان؛ الذي اختاره عن دِراية؛ "سارد الغوايات" عِوضاً عن "شاعر الغوايات"، كأنه يومي للقارئ أنه أمام "سرديّة شعريّة"، سردٍ جديد/أغنية، غنيّة، جريئة، طرَقَتِ العديدة من الأبواب المغلقة:
دَعْ حِرْصَكَ فِي الدَّرَكِ الأَدنَى، تَحتَ بلاطِ الخَوْفِ، فَلَستَ علَى حَالِكَ أهلاً لبلادٍ ضَائِعَةٍ فِي السِّلْمِ، وَأَنتَ تُجَادِلُ مِنْ أَلِفٍ وإلَى يَاءْ
***
حملتْ أولى غواياته المسرودة اسم غواية الورد، تلاها: غواية الأم، غواية امرأة القلب، غواية الصّبر، غواية الاسم، غواية الحكايات، غواية الدّم، غواية الشّوك، غواية القلب، غواية النحل، غواية الشِّعر، غوايات أبي، وانتهت بخاتم الغوايات.
"غواية الوردة"، مبتدأ الغوايات، بدء السرد، وبدء الوحي والاختيار: "ليسَ سِوَى الوَردَةِ غَاوِيةٌ، ليسَ سِوَى الوَردَةِ شَاهِدَةٌ أَنّكَ هذَا المُخْتَارُ"
يُلمّحُ الشاعر كيف استجاب لأمر الورد وغواياته؛ " السَّاعَةُ لا تَبدُو اليومَ كمَا دَارَتْ بالأَمسِ، فمَاذَا أَعْدَدْتَ مِنَ الأَورَاقِ إِذَا سَأَلَتْكَ عُيُونُ صِغَارِكَ عَنْ وَسْمِ أَبِيْكَ؟ وعَنْ لَوْنِ سِلاحٍ فِضِّيٍّ كَانَ يُجَاورُ مَخْدَعهُ ليلاً؟
وفي "خاتم الغوايات" يقول عن الورد ووفاء الحِبر:
هذا حِبْرِي حَبْرِي،
لَم يَخْذِلْنِي اليومَ وبَاحَ، وأَسرَفَ فيهِ البَوْحُ
· ماذَا الآنَ؟ يقُولُ الفَوْحُ
هذَا غَيْبٌ في اللحظَةِ، وما كُنتَ لِتَدْرِي
أَنَّ الوردَ اخْتَارَكَ كي يُلقِي بُرْدَتَهُ الحمراءَ على كَتِفَيكَ
تنتهي كلّ غواية من غوايات الديوان بعبارة شعريّة لها قافية واحدة، عبارات عن الورد وعطره، كأنّ هذه النهايات قافية تخصّ كلّ الديوان. فمثلاً في نهاية "غواية الأم" تأتي العبارة الشعرية التالية: " الوَرْدَةُ أُمٌّ / عِطْرُ الوَرْدَةِ أَبْنَاءٌ وَبَنَاتْ "، وفي نهاية "غواية النحل" : "الوَرْدَةُ إيْمَانٌ / عِطْرُ الوَرْدَةِ شَكٌّ وَمَتَاهَاتْ".
يُمتّع الشاعر قارئهُ بجملٍ قصيرة نستشفّ منها رُوحَ صوفيٍّ ولغته، وأخرى سرديّة متسارعة، غنيّة في الصور والذكريات والأسئلة الصعبة، على حدّ تعبيره"بأسئلة صعبة" لا يجد لها إجابات. في "غواية الأم"، يذكرُ غوايَتَيْها: حيلة الفطام، وحملان القلم:


























